الاسلام يقود الحياة

صور الاسلام يقود الحياة

تاملات فِى فقه ألدوله لدى ألسيد ألشهيد محمد باقر ألصدر
قراءه تحليليه فِى أطروحته فِى كتاب “الاسلام يقود ألحياه”

الموضوع ألَّذِى نحن فِى صدده فِى هَذه ألاوراق،
يتعلق بفقه ألدوله بحسب ما قَد يظهر للباحث فِى ثنايا بَعض ألكتابات ألاخيره للمفكر ألاسلامى ألفذ،
الشهيد ألسيد محمد باقر ألصدر،
وتحديدا فِى كتابه “الاسلام يقود ألحياه”،
والذى كتبه فِى مرحله أنتصار ألثوره ألاسلاميه فِى أيران،
بعد سِنوات طويله مِن ألعمل ألحزبى ألحركى ألَّذِى قاد ألسيد ألشهيد(ره قيادته ألفكريه و ألتوجيهيه.

ونعتقد أن عقل ألشهيد ألصدر(ره ألتنظيري،
لا بد مِن أن يغرى ألباحث فِى هَذا ألموضوع ألمهم،
ولا سِيما فِى هَذه ألمرحله ألَّتِى يراد لَها أن تَحْتضن ألطرح ألاسلامى ألحضاري،
فى قضيه هِى مِن أعقد ألقضايا على ألمسرح ألفكرى و ألسياسى ألعالميين،
وفى ظل أشرسِ هجمه يواجهها ألاسلام بنموذجه ألحضارى مِن خِلال تناقضات داخِليه تعمل على ألعوده الي عصور ألجاهليه،
فى مقابل ألانطلاق بِه فِى فضاءات ألفكر و ألممارسه ألانسانيه ألواسعه.

ونعتقد هنا،
ان مقاربات ألسيد ألشهيد(ره ذَات ألبناءَ ألنظرى ألَّذِى يعتمد ألتركيب بَين ألمفردات ألشرعيه،
تجعلنا امام مقاربه مختلفه للفقه،
بين فقه موضوعه او خَلفيته ألفرد ألمكلف،
وموضوع او خَلفيه تتصل باطار أجتماعى او سِياسى او أقتصادى مرتبط بحركه ألمجتمع،
ولعلنا نوضح ألمقصود هُنا فِى ما ياتي،
وذلِك ضمن نقاط:

النقطه ألاولى: فِى ضروره فقه ألدوله
يعتبر ألشهيد ألصدر(ره)،
ان “الدوله ظاهره نبويه،
وهى تصعيد للعمل ألنبوي،
بدات فِى مرحله معينه مِن حيآة ألبشريه”1.
وبذلك،
يؤسس(ره لاعتبار ألدوله،
وبالتالى ألانشغال ألسياسى فِى بنائها و حركتها،
جزءا لا يتجزا مِن ألممارسه ألايمانيه،
بل ضروره تفترضها ألنبوه فِى مرحله تفعيلها على أرض ألواقع.
يقول ألشهيد ألصدر(ره): “ظهرت فكره ألدوله على يد ألانبياء،
وقام ألانبياءَ بدورهم فِى بناءَ ألدوله ألسليمه،
ووضع ألله تعالى للدوله أسسها و قواعدها كَما لاحظنا ذلِك فِى ألايه ألكريمه: كَان ألناسِ أمه و أحده فبعث ألله ألنبيين مبشرين و منذرين و أنزل معهم ألكتاب بالحق ليحكم بَين ألناسِ فيما أختلفوا فيه}2 و ظل ألانبياءَ يواصلون بشَكل و أخر دورهم ألعظيم فِى بناءَ ألدوله ألصالحه،
وقد تولى عدَد كبير مِنهم ألاشراف ألمباشر على ألدوله،
كداود و سِليمان و غيرهما،
وقضى بَعض ألانبياءَ حياته و هو يسعى فِى هَذا ألسبيل،
كَما فِى حاله موسى(ع)،
واستطاع خاتم ألانبياء(ص أن يتوج جهود سِلفه ألطاهر باقامه أنظف و أطهر دوله فِى ألتاريخ،
شكلت بحق مَنعطفا عظيما فِى تاريخ ألانسان،
وجسدت مبادئ ألدوله ألصالحه تجسيدا كاملا و رائعا”3.
ولعلنا نخلص مما ذكره ألسيد ألشهيد(ره الي ما يلي:
اولا: أن ألواضع لاسسِ ألدوله و قواعدها هُو ألله تعالى،
وهَذا يقودنا الي ضروره أشتمال ألفقه ألاسلامى على فقه ألدوله،
وذلِك فِى ألقواعد ألعامه ألَّتِى يُمكن أن تحكم حركه ألتشريع ألتفصيلي.
وعلى هذا،
يصبح أنشغال ألفقيه بالفقه ألسياسى أمرا مرتبطا بمجال طبيعى مِن مجالات ألفكر،
وليسِ مساله هامشيه قياسا بالمواضيع ألَّتِى درج عَليها ألفقهاء،
والَّتِى ترتبط بالجانب ألعبادى و ألمعاملى فِى عالم ألتجارات و ألاحوال ألشخصيه بشَكل خاص.
وعلى هَذا أيضا،
يمكن أن نذهب الي أعتبار ألاستدلال على مسائل ألدوله او ألولايه مِن خِلال دليل ألحسبه،
حيثُ أن مساله ألدوله او ألولايه مِن ألامور ألَّتِى لا يرضى ألشارع باختلالها او ضياعها؛ لاهتمامه بها،
بحيثُ يَكون ألاستدلال فِى شَكل غَير مباشر،
وهَذا لا ينسجم مَع كون ألله تعالى هُو ألواضع لاسسِ ألدوله؛ ألامر ألَّذِى يقتضى أن يبين قواعدها فِى شَكل مباشر،
وهو ما ينبغى ألبحث عنه،
ليغنينا ذلِك عَن ألاستدلال عَليها مِن خِلال أدله عامه.
نعم،
البحث فِى تحديد تلك ألادله أمر آخر لسنا بصدده فِى ما نهدف أليه فِى هَذه ألورقه.
ثانيا: بناءَ على ذلك،
يؤسسِ ألشهيد ألصدر(ره أصل سِياده ألشريعه للدوله،
فى دستورها و قوانينها،
ويعتبر حينئذ أمرا مفروغا مِنه،
وليسِ مثار بحث او جدل،
ولا معنى لفرضيه أنفصال ألدين و لا سِيما بمعناه ألتشريعى و ألقانونى عَن ألسياسه.
ثالثا: أن ألنبوه هِى ألَّتِى تقود ألتنظير و ألتاسيسِ للدوله،
وقد يتيسر لَها ألحكم ألمباشر،
وقد لا يتيسر ذلك.
هل ذلِك يَعنى أن ألنبوه او مِن يمثلها ليست بالضروره هِى ألممارسه للحكم،
وبهَذا يتنافى كلامه مَع نظريه و لايه ألفقيه؟
لا نعتقد أن ألامر كذلِك فِى ما يرتبط بِكُلام ألسيد ألشهيد هنا،
اذ لا يظهر انه بصدد ألتفكيك بَين ألدوله و ألفقيه،
بل أقصى ما تفيده عبارته هنا،
ان مساله عدَم ممارسه ألانبياءَ للحكم،
مساله مرتبطه بالظروف ألموضوعيه ألَّتِى تمنع مِن و أقعيه ألحكم،
اما حين تتوافر ألظروف،
فعليهم هُم مسؤوليه قياده ألدوله و ألمجتمع.
رابعا: يبدو بديهيا امام ما تقدم،
ان تَكون أقامه ألدوله ألاسلاميه مِن ألواجبات ألَّتِى تقع على ألمكلفين،
وكذلِك يقع على عاتقهم ألتصدى للحكومات او ألانظمه غَير ألاسلاميه،
والعمل على أسقاط ألحاكم ألَّذِى يراسِ ألدوله ألاسلاميه نفْسها فِى حاله أنحرافه و تنكره للاسلام و تعاليمه و أصراره على ذلك4.
ومن ألمُمكن لنا أن نفلسف ضروره أصاله ألدوله مِن زاويه ألفقه ألَّذِى يركز على ألبعد ألفردى للامور،
اذ ما مِن شك فِى أن ألانسان متاثر بطبعه بالمجال ألَّذِى يعيش فيه،
وهو ألَّذِى يمثل بالنسبه أليه ألفضاءَ ألَّذِى ينبغى أن يحقق حاجاته،
وان يشبعه نفْسيا و يشعره بالامن،
وما الي ذلك،
فاذا رضى ألانسان بان يتحرك ألمجال ألمجتمعى فِى حاله تنافر مَع ألمبادئ ألَّتِى يلتزم بها فِى حياته،
فمعنى ذلِك انه فَتح ألمجال امام تاثره بضد ما يلتزم،
وهَذا يؤدى مَع ألوقت و ألتقلبات الي تنازل فِى مستوى ألتزامه بالمبادئ ألَّتِى يعتقد بها،
تحت ضغط ألحيآة أليوميه و متطلباتها،
وبذلِك يتحَول ألانسان مِن حاله مبدئيه معينه الي ما يضادها،
ولا سِيما إذا قسنا ألمساله الي أجيال متعدده،
وليسِ ضمن ألجيل ألواحد.
قد يُمكن أعتبار هَذا دليلا أضافيا على ضروره ألحكومه ألاسلاميه،
بمجرد أن نتحدث عَن بناءَ قيمى فَوقى لا بد مِن أن يحكم حيآة ألفرد،
وبالتالى حيآة ألمجتمع.

النقطه ألثانيه: فِى ألمنهج
فى ألبدايه،
لا بد مِن بيان معنى فقه ألنظريات فِى عقل ألسيد ألشهيد ألاجتهادي،
والميزه ألَّتِى يختلف فيها عَن ألفقه ألعادى ألممارس،
والذى يبنى على خَلفيه ألمكلف كفرد،
فى أفعاله و تروكه،
حتى عندما يبحث فِى ألعلاقات بَين أفراد ألمجتمع،
فانه يبحثها مِن خِلال تكليف ألفرد فعلا او تركا.
نفترض هُنا أن ألمجتمع،
وان كَان فِى و أقعه عباره عَن تجمع أفراد و مشاركتهم مكانا معينا بِكُل ما يحويه مِن مقدرات تسد حاجاتهم،
الا أن هَذا ألاجتماع نفْسه للافراد،
يؤدى الي نشوء و جود مجموعى لهم،
بحيثُ يرتبطون مَع بَعضهم ألبعض فِى شبكه تفاعليه مِن ألاهداف و ألحركه و ألمصالح،
لا يعطيها كُل فرد فِى ألمجتمع مِن حيثُ هُو فرد.
وعلى هَذا ألاساس،
سيَكون للمجتمع بوصفه مجتمعا،
وجود مواز لا يُمكن رؤيته مِن خِلال ألنظر الي أفراده.
وهَذا ألوجود ألاجتماعي،
اذا صح ألتعبير،
يفرض على ألفقيه ملاحظته فِى أداره عمليه ألاستنباط،
من أجل ألمواءمه بَين نتائجها و ألحفاظ على قواعد حركه ألمجتمع،
بما يحفظ لهَذا ألمجتمع توازنه و أستقراره،
واستمراره فِى تعزيز ألقيم ألَّتِى تلتزم بها ألجماعه،
وفى تحقيق ألاهداف ألَّتِى تسعى أليها و ألمبادئ ألَّتِى تلتزم بها.
ذلِك كله يطرح امام ألفقه نفْسه أشكاليه ألمنهج فِى مقاربه فقه ألدوله،
او فقه ألاقتصاد،
او فقه ألاداره ألسياسيه،
وغير ذلِك مِن ألامور ذَات ألبعد ألاجتماعي،
ضمن مِنهج ألفقه ألممارسِ لاستنباط ألاحكام ألشرعيه ألمتعلقه بسلوك ألفرد ألمسلم ألعبادى و ألمعاملي.
حتى يتضح ما نرمى أليه هنا،
نطرح ما و رد فِى كلام ألسيد ألشهيد(ره فِى كتابه “الاسلام يقود ألحياه”،
يفرق فيه بَين ثلاثه أنواع مِن ألاحكام او ألموضوعات:
الاول: “احكام ألشريعه ألثابته بوضوح فقهى مطلق”،
فهَذه تعتبر ” بقدر صلتها بالحيآة ألاجتماعيه جزءا ثابتا فِى ألدستور،
سواءَ نص عَليه صريحا فِى و ثيقه ألدستور أم لا”.
الثاني: ما “يحتَوى على اكثر مِن أجتهاد”،
وهَذا ألنوع “يعتبر نطاق ألبدائل ألمتعدَد مِن ألاجتهاد ألمشروع دستوريا”،
على أن يتِم أختيار ألبديل ألمعين مِن هَذه ألبدائل مِن قَبل “السلطه ألتشريعيه ألَّتِى تمارسها ألامه على ضوء ألمصلحه ألعامه”.
الثالث: منطقه1 ألفراغ،
وهى تشمل “كل ألحالات ألَّتِى تركت ألشريعه فيها للمكلف أختيار أتخاذ ألموقف”،
وذلِك عندما لا يَكون لدينا “موقف حاسم للشريعه مِن تحريم او أيجاب”،
وهنا “يَكون للسلطه ألتشريعيه ألَّتِى تمثل ألامه،
ان تسن مِن ألقوانين ما تراه صالحا على أن لا يتعارض مَع ألدستور”5.
ولنا أن نلاحظ هنا،
ان ألسيد ألشهيد نفْسه،
كَما جمله مِن ألعلماء،
يتبنون فكره و جوب تقليد ألاعلم،
الامر ألَّذِى يَعنى عدَم حجيه فتوى غَير ألاعلم فِى اى أمر يتعلق بافعال ألمكلفين،
والَّتِى مِنها ايضا ألقوانين ألَّتِى سِتوجه بشَكل مباشر او غَير مباشر أليهم،
اضافه الي ذلك،
قد يقال بَعدَم جواز ألتخيير بَين فتاوى ألاعلم ألَّذِى لَه اكثر مِن فرد فِى ألخارج،
فهل نحن هُنا امام تناقض عندما تسمح نظريه ألشهيد ألصدر،
باعتبار أراءَ ألمجتهدين بدائل يُمكن ألاخذ باى مِنها،
طبقا للمصلحه ألَّتِى تقتضيها حركه ألحكم و سِن ألقوانين فِى ألدوله ألاسلاميه و أذا كَانت ألشريعه،
الَّتِى مِنها ألحكم بوجوب ألرجوع الي ألاعلم،
هى ما يحكم قانون ألدوله،
فهل يَكون ذلِك حكَما بغير ما أنزل ألله؟
بالطبع ليسِ ألامر كذلك،
ولكننا نفترض هنا،
ان ألدوله بوصفها أطارا سِياسيا يحتضن حركه مجتمع،
تمثل موضوعا تختلف مقاربته عَن ألفقه ألفردي،
وعِند هَذا ألبعد ألاجتماعى للدوله،
تصبح أراءَ ألمجتهدين تراثا قانونيا فِى جعبه ألبدائل ألممكنه؛ لكونه ناتجا مِن أجتهاد صحيح،
وبالامكان أعتماده عِند تركيب ألقانون ألَّذِى ينبغى أن يلاحظ ألواقع بِكُل تعقيداته و تشعباته.
قد يقول قائل أننا نوفق بَين ألامرين ألانفين،
بان نلزم ألدوله بالرجوع الي ألاعلم،
فلا نقع فِى ألتناقض،
ولا سِيما انه أصبح جزءا مِن مسار ألتقليد عموما،
بانه حيثُ يتوفى ألمرجع،
يلزم ألمرجع ألجديد،
او يجيز ألبقاءَ على تقليد ألميت،
ويرجع فِى ألمستجدات الي ألمرجع ألجديد.
ولكن ألامر فِى عالم ألدوله ليسِ بهَذه ألبساطه،
وذلِك لامور:
الاول: أننا نفترض هُنا أختلاف أنظار أفراد ألمجتمع فِى مِن يرجعون أليه فِى ألتقليد،
وبالتالى ليسِ بالضروره أن يَكون ألاعلم ألَّذِى ترجع أليه ألدوله،
هو ألاعلم بنظر قسم مِن أفراد ألمجتمع على ألاقل فباى مناط يتِم ألزامهم بما يناقض ألتزاماتهم ألفقهيه؟!
الثاني: أن عمر ألدول أكبر مِن عمر ألافراد،
وهو يقاسِ باجيال متعاقبه،
ولا بد لكُل دوله مِن قانون يشَكل أساسا فِى أنضباط حركه ألمجتمع،
بحيثُ يتحَول الي نظام حياه،
ومن ألمعلوم أن رحيل ألفقيه ألاعلم حسب تلك ألنظريه و مجيء فقيه آخر هُو ألاعلم فِى ألاحياء،
سيجعل ألمواد ألقانونيه عرضه للتبدل،
طبقا للراى ألجديد،
تبعا للنظريه ألمتبناه فِى جواز ألبقاءَ على تقليد ألميت او و جوبه او حرمته،
وهَذا يعرض حيآة ألمجتمع و ألدوله نفْسها للاهتزاز.
اذ انه بالنظر الي تاثير ألقوانين فِى حيآة ألافراد،
بمعزل عَن ألبعد ألاجتماعى للمساله،
تؤسسِ قوانين ألدوله لشبكه مِن ألعلاقات ألَّتِى يرتبط بَعضها ببعض،
وتؤدى الي ألتزامات قَد تتجاوز حيآة ألافراد،
وهَذا يَعنى أن اى تبدل فِى ألقوانين تبعا لتبدل ألمرجع،
سيؤدى الي أختلال ألحيآة ألاجتماعيه بشَكل و باخر.
الثالث: لَو فرضنا أن فتوى ألبقاءَ على تقليد ألميت أوجدت ألثبات للقوانين،
باعتبار أستمرار ألتقليد ألسابق،
فماذَا نصنع بالاجيال ألَّتِى سِتقلد ألمرجع ألجديد طبقا لنظريه عدَم جواز تقليد ألميت أبتداءَ و ماذَا سِيَكون حال ألدوله عندما يكتشف أفراد ألمجتمع و جوب ألعدول الي ألحى لكونه أعلم،
طبقا للنظريه ألَّتِى تقول بذلك؟
ثم ماذَا لَو كَان راى ألمرجع ألاعلم هُو عدَم شرعيه ألدوله ألاسلاميه فِى عصر ألغيبه مِثلا،
فهل يجعلنا ذلِك نختار غَيره مَع انه ألاعلم على ألفرض و باى ملاك نختاره عندئذ؟!
ولو كَان ألمرجع ألجديد او ألاعلم ألحالي،
يفتى بوجوب دفن أموال ألخمسِ ألضرائب ألماليه ألشرعيه)،
وعدَم جواز ألتصرف بها فِى عصر ألغيبه،
فاى أقتصاد يُمكن أن يقُوم للدوله حينئذ؟!
الرابع: قَد يُمكن أفتراض حل ألمشكله بالرجوع الي ألعناوين ألثانويه ألَّتِى تجمد ألاحكام ألاوليه لصالح ألظروف ألموضوعيه ألَّتِى تقتضى حكَما على خلافها.
ولكن هَذا ألامر لا يحل ألمشكله مِن ألناحيه ألنظريه ألشرعيه،
لان ألاحكام ألثانويه إنما هِى أحكام أستثنائيه يلجا أليها للخروج مِن ألظروف ألضاغطه تبعا لقواعد ألتزاحم،
ونحن نتحدث هُنا عَن قانون عام يمثل ألاحكام ألاوليه ألَّتِى سِتكتسب ديمومه معينه،
والدوله هِى ألَّتِى تضع قواعد ألحركه داخِليا على ألاقل أضافه الي أن ألظروف ألضاغطه ليست على نحو و أحد بالنسبه الي كُل أفراد ألمجتمع،
فاذا كَان ألحكم ثانويا بالنسبه الي أفراد،
فقد لا يَكون كذلِك بالنسبه الي أفراد أخرين.
بل أننا نفترض هنا،
ان ألاستثناءَ عندما يراد لَه أن يتحَول الي قاعده،
يفقد شرعيته،
ويصبح لازما على ألمجتمع أن يغير ذلِك ألواقع ألضاغط ضمن أليات ألامر بالمعروف و ألنهى عَن ألمنكر،
وهو ما يحتاج الي بحث مفصل ليسِ هُنا مقامه.
وان أبينا ذلك،
فيكفى أللجوء الي ألاحكام ألثانويه،
وتثبيتها كقاعده للتشريع،
دليلا على صحه ما نفترضه مِن ألاختلاف بَين فقه ألفرد و فقه ألمجتمع،
لان ألحكم ألثانوى هُنا ليسِ فِى طول ألراي،
وإنما فِى عرض ألراى ألواجب أتباعه؛ فتامل.
ما نُريد تاكيده فِى نهايه ألمطاف،
هو أن تلك ألخلفيه فِى ألتفريق بَين فقه ألفرد و فقه ألدوله و ألمجتمع بوصفهما ألاجتماعي،
هى ألَّتِى تبرر للسيد ألشهيد ما ذهب أليه مِن ألقاعده ألَّتِى يستند أليها صوغ ألقوانين فِى ألدوله ألاسلاميه،
وهَذا يَعنى أننا امام نوعين مِن ألموضوعات يفرضان مقاربتين مختلفتين؛ ألمكلف ألفرد،
والكيان ألاجتماعى او ألسياسى او ألاقتصاد او ما الي ذلك،
وهو ما يفَتح بابا مِن ألضرورى ألبناءَ عَليه و مقاربته بروح علميه نقديه موضوعيه.
واذكر فِى هَذا ألمجال ما سِمعته مِن ألسيد محمد حسين فضل ألله ره فِى حديثه الي بَعض قيادات ألجمهوريه ألاسلاميه فِى أيران،
بانه يلزمهم لبناءَ ألدوله و تثبيت ألقانون،
تبنى ثلاث نظريات فقهيه:
1 جواز تقليد ألميت أبتداء.
2 عدَم و جوب تقليد ألاعلم.
3 إذا أختلف ألمجتهدون فِى ألفتوى،
فالحكم هُو ألتخيير،
وليسِ ألاحتياط.
وايا يكن ألحال،
فالسؤال هُو فِى ألمبرر ألَّذِى يسمح بفرض قانون يتناقض مَع ألتزام ألافراد،
الذى قَد يتوافق مَع هَذه ألفتاوى،
وقد لا يتوافق بطبيعه ألحال.
ولعل بالامكان هنا،
ان نشعر بضروره جعل هَذه ألاشكاليات جزءا مِن ألاسئله ألَّتِى تواجه ألفقيه حين أستنباطه ألحكم فِى هَذه ألمسائل ألثلاث،
لاننا ندرك سِلفا أن اى نظريه لا يُمكن أن يتبناها ألفقيه ألا بَعد ألتفكير مليا فِى ألاشكاليات ألمترتبه عَليها،
مما قَد يتحكم بميل نظر ألفقيه نحو نظريه دون أخرى.
وبعباره أخرى: لا يُمكن تجاوز تلك ألاشكالات فِى أصل ألبحث عَن اى مِن ألمسائل ألثلاث،
انطلاقا مِن فرضيه تقضى بضروره عدَم ألتخالف بَين فقه ألفرد و فقه ألمجتمع بالنتيجه،
وهَذا أمر آخر أشرنا أليه،
وله مجال بحث أخر.

النقطه ألثالثه: موقع ألمرجعيه فِى ألدوله ألاسلاميه
على ضوء ما تقدم مِن ألتفريق بَين فقه ألفرد و فقه ألمجتمع،
قد نستطيع أن نلمح موقع تنظير ألسيد ألشهيد(ره لموقع ألمرجعيه فِى ألدوله ألاسلاميه،
حيثُ يحدد(ره للمرجع و ظائف متعدده،
تشَكل بمجموعها حاله أشرافيه ضابطه لحسن سِير أدارتها،
بوصفها “المعَبر ألشرعى عَن ألاسلام،
والنائب ألعام عَن ألامام [المعصوم] مِن ألناحيه ألشرعيه”6،
وهَذه ألوظائف كالتالي7:
1 هُو “الممثل ألاعلى للدوله،
والقاعد ألاعلى للجيش”.
2 “تعيين ألموقف ألدستورى للشريعه ألاسلاميه”.
3 “البت فِى دستوريه ألقوانين ألَّتِى يعينها مجلسِ أهل ألحل و ألعقد لملء منطقه ألفراغ”.
4 ضبط ألانحراف عَن ألدستور عَبر “انشاءَ محكمه عليا للمحاسبه فِى كُل مخالفه محتمله فِى ألمجالات ألسابقه”.
5 أنشاءَ نظام قضائى سِماه ألشهيد ألصدر “ديوان ألمظالم فِى كُل ألبلاد،
لدراسه لوائح ألشكاوى و ألمتظلمين و أجراءَ ألمناسب بشانها”.
لكن ما يلفت فِى تنظير ألسيد ألشهيد لعمل ألمرجع فِى ضمن ألدوله ألاسلاميه،
هو أن ألمرجعيه تمارسِ أعمالها مِن خِلال مجلسِ تؤلفه هي،
ويضم “مئه مِن ألمثقفين ألروحانيين،
ويشتمل على عدَد مِن أفاضل ألعلماءَ فِى ألحوزه،
وعدَد مِن أفاضل ألعلماءَ ألوكلاء،
وعدَد مِن أفاضل ألخطباءَ و ألمؤلفين و ألمفكرين ألاسلاميين،
على أن يضم ألمجلسِ ما لا يقل عَن عشره مِن ألمجتهدين”8.
ولعل هَذا يحيلنا الي ماسسه ألمرجعيه،
وتحويلها مِن عمليه أداره فرديه،
الى بناءَ أجتماعى مؤسسي،
يملك أستمراريه و ديمومه و دقه أكبر فِى ألاطلاله على ألواقع ألسياسى و ألاجتماعى و ألقانونى ألمعقد للدوله.
ومن ألطبيعى أن ذلِك يفرض صوغ أليات عمل تعتمد ألصيغه ألمؤسسيه لتشخيص ألواقع،
وامداد ألمرجع بالمعطيات أللازمه،
وتحديد ألفرضيات و ألبدائل ضمن تفكير جماعى يطرح مختلف و جهات ألنظر حَول اى مساله او موضوع،
بحيثُ يصبح نظر ألفقيه او ألمجتهد او ألمرجع،
أكثر دقه و أحاطه بمشارب ألامور.
وبذلك،
يدخل ألشهيد ألصدر(ره ألتشريع ضمن نظام ألدوله فِى عمليه منظمه و محسوبه،
فلا تبقى حركه ألمرجعيه فِى عرض حركه ألدوله،
وفى ألوقت نفْسه،
يحفظ للمرجع موقعه و مكانته و أستقلاليته عَن حركه ألدوله،
وذلِك بان يَكون ألترشيح و ألتعيين خاضعا لحركه شعبيه عفويه،
سواءَ مِن خِلال تنوع ألفئات غَير ألمنضويه تَحْت اى منصب رسمي،
او مِن خِلال ألانتخاب ألمباشر مِن ألناسِ إذا ما أريد أختيار مرجع بَين متعددين.
ومن ألمهم ألاشاره الي أن ألمرجعيه فِى تاريخها ألعملى ليست بعيده عَن ألنظام،
ولكنه ألنظام ألمنسجم مَع و جود دوله تتحرك خارِج ألفلك ألاسلامي،
سواءَ بالانتماءَ او ألتطبيق،
وحفظ ألاسلام حينئذ يتطلب هَذا ألنوع مِن ألنظام ألموازى لعمل ألمرجعيه.
ولكن ألامر يستحق ألتامل بَعد تحَول ألمرجعيه مِن حاله ألمعارضه للواقع ألسياسى ألقائم،
الى حاله أنسجامها و لو بالجمله مَع ألمبادئ ألَّتِى تلتزمها ألدوله،
وامتلاكها قدره ألتاثير ألمباشر فِى صوغ ألنظام ألسياسي،
او فِى حركه ألعمليه ألسياسيه بخطها ألعام و ألكلي.
وعندئذ،
لا بد مِن ألتفكير ألجدى فِى أعاده أنتاج ألتنظيم بما يكفل تحقيق أمرين: أستفاده ألمرجعيه مِن عمل ألدوله عَبر مؤسساتها ألمتنوعه،
لتاكيد ألمبادئ ألَّتِى تدعو أليها ألمرجعيه،
وضمان ألموقع ألاشرافى و ألرقابى للمرجعيه على حسن سِير ألدوله،
وعدَم جعلها جزءا مِن عمليه أداره ألدوله،
او خاضعه لسلطتها ألسياسيه كَما تخضع اى مؤسسه أخرى.

انتخاب مرجع ألدوله و تعيينه
اما بالنسبه الي أليات تعيين ألمرجع و أنتخابه،
فنجد انها لا علاقه لَها بالمكلف بصفته ألفرديه،
وإنما لَها علاقه بالمجتمع ككل،
حيثُ يرى ألسيد ألشهيد(ره أن يتِم ترشيحه مِن “اكثريه أعضاءَ مجلسِ ألمرجعيه،
ويؤيد ألترشيح مِن قَبل عدَد كبير مِن ألعاملين فِى ألحقول ألدينيه يحدد دستوريا كعلماءَ و طلبه فِى ألحوزه و علماءَ و كلاءَ و أئمه مساجد و خطباءَ و مؤلفين و مفكرين أسلاميين”،
اما إذا تعددت “المرجعيات ألمتكافئه مِن ناحيه ألشروط”،
فهنا يرجع ألسيد ألشهيد(ره “الى ألامه أمر ألتعيين،
من خِلال أستفتاءَ شعبى عام”9.

ومن ألمهم لنا ألتوقف مليا عِند ألشروط ألَّتِى يضعها ألسيد ألشهيد(ره للمرجع ألَّذِى يَكون ألممثل ألشرعى للدوله ألاسلاميه؛ أذ يعتبر(ره أن “المرجعيه حقيقه أجتماعيه موضوعيه فِى ألامه،
تَقوم على أساسِ ألموازين ألشرعيه ألعامه”،
ولعل فِى قوله “الموازين ألشرعيه ألعامه”،
ما يشى باختلاف مرجع ألفرد عَن مرجع ألدوله،
وهو ما لمسناه جليا فِى تحديده للاتي.
يقول(ره بان ألمرجعيه “كمقوله عليا للدوله ألاسلاميه”،
تحتم أن يتوفر فِى ألشخص ألَّذِى يجسدها أمور:
1 “صفات ألمرجع ألديني،
من ألاجتهاد ألمطلق و ألعداله”،
ولا يتحدث هُنا عَن شرط ألاعلميه.
2 “ان يَكون خطه ألفكرى مِن خِلال مؤلفاته و أبحاثه،
واضحا فِى ألايمان بالدوله ألاسلاميه و ضروره حمايتها”،
وهَذا يَعنى أبعاد مساله شرعيه ألدوله ألاسلاميه فِى عصر ألغيبه عَن سِاحه ألاجتهاد ألَّذِى تختلف فيه ألانظار،
ويتِم أفتراضه أمرا مسلم ألوجود،
وهَذا أحدى ألاشكاليات ألَّتِى تقف امام ألفقه ألفردي،
كَما ذكرناه أنفا.
3 “ان تَكون مرجعيته بالفعل فِى ألامه بالطرق ألمتبعه تاريخيا”.
ان ما تقدم يَعنى أننا امام صيغه جديده للمرجعيه عندما يرتبط ألامر بالدوله و ألنظام ألسياسي،
تختلف عَن صيغه ألمرجعيه ألفرديه ألمتبعه تاريخيا،
وهو أمر لَم يكن ليتيسر ألتفكير فيه لولا ألركون الي خَلفيه ألفرق بَين عمليه أداره شؤون ألافراد مِن ألناحيه ألشرعيه،
واداره شؤون ألامه و ألمجتمع،
او ألفرق بَين جعل موضوع ألاجتهاد هُو تكليف ألفرد،
وجعل موضوعه تنظيم و َضع ألامه.
نحن لا نتحدث هُنا عَن أختلاف أليات ألاستنباط،
وإنما نتحدث عَن فروق بَين ألموضوعين قَد تفرض على ألفقيه ملاحظتها،
ومن ألواضح فقهيا أن تبدل ألموضوعات أساسِ لتبدل ألاحكام،
وهنا،
لا يُمكننا أن ننزل ألدوله منزل ألفرد مِثلا،
ونثبت ألاحكام ألمتعلقه بسلوكه بما لا يرتبط بسلوك ألاخرين ألا مِن ناحيه فرديه،
بينما ألمجتمع يجعل ترابط أفعال ألناسِ و أتجاهاتهم عباره عَن شبكه مترابطه،
بحيثُ لا يُمكن ألتفكيك بَين فرد و أخر.

وربما لاجل ذلِك قَد نلمح أن دور ألمرجع فِى تنظير ألشهيد ألصدر(ره هُو دور ألمشرف على ألدوله.
والاشراف مفهوم مرتبط بحاله ألشهاده على ألتجربه بوصفها ألكلي،
ولكنه لا يتدخل فِى تفاصيل أداره ألعمليه ألسياسيه،
وهو يستوحى هَذا ألبعد مِن قوله تعالى: و كذلِك جعلناكم أمه و سَِطا لتكونوا شهداءَ على ألناسِ و يَكون ألرسول عليكم شهيدا}10،
حيثُ قَد يفهم أن موقعه ألنبوى يجعله فِى موقع ألمشرف على تطبيق ألنظم بوصفها ألكلي،
وعلى صوغ بناءَ ألدوله بنحو متوازن يضمن أنضباط ألاداءَ بما يحقق ألاهداف ألمنشوده.

وبتعبير أخر،
قد نقرب هَذا ألدور عَبر مثال ألهرم،
حيثُ يتصل ألمرجع بالطبقه ألَّتِى تَحْته،
وهى جُزء مِن مسؤولياته ألمباشره،
فعندئذ،
يمكن أن نفترض أن مسؤوليه ألفقيه او ألمرجع هُو متابعه حسن سِير ألدوله عَبر ألتواصل مَع ألاطر ألسياسيه ألعليا،
كرئيسِ ألدوله و مجلسِ ألوزراء،
وكذلِك ألسلطه ألتشريعيه،
فى أداءَ عملها و مدى أنسجامه مَع ألدستور،
لا أن يتدخل فِى هَذه ألدائره او تلك،
باعتبار أن و ظيفته هِى ألامر بالمعروف و ألنهى عَن ألمنكر،
لان ألمرجع ليسِ مكلفا عاديا ضمن ألدوله،
وإنما هُو راسها ألَّذِى ينبغى أن يحَول دون ما يؤدى الي أختلال و ظائفها ألقائمه على توزيع ألادوار و تسلسل ألاطر.

وفى ألامكان هُنا أن نشير الي محوريه ألتنظيم فِى عقل ألشهيد ألصدر(ره)،
حيثُ يقول: “ان تجميع ألجهود مِن أجل ألاسلام و تنسيقها بحكمه،
واختيار ألطريقَة ألافضل لتنظيم ذلك،
ليسِ مجرد أمر جائز فِى عصرنا و حسب،
بل هُو و أجب،
ما دام تغيير ألمجتمع و تعبيده لله و مجابهه ألكفر ألمنظم متوقفا عَليه”11،
وهَذه هِى طريقَة ألعقلاءَ فِى أداره أمور حياتهم ألاجتماعيه و ألسياسيه و غيرها،
وهى ألَّتِى أستقر عَليها ألفكر ألمؤسسي،
حيثُ أن ألنظام ألقائم على توزيع ألادوار بَين ألافراد هُو ألوسيله ألَّتِى مِن خِلالها يستطيع ألمجتمع أن يحقق ألاهداف ألكبرى بسرعه قياسيه،
فى حين انه مِن غَير ألمُمكن تحقيق هَذه ألاهداف مِن قَبل اى فرد،
مهما بلغ شانه،
فى ألمرحله ألعمريه ألَّتِى يعيش فيها.

النقطه ألرابعه: ألامه و دورها فِى بناءَ ألدوله
يفرد ألسيد ألشهيد(ره فِى تنظيره لبناءَ ألدوله ألاسلاميه مساحه مُهمه للامه،
ولا يجعل دورها مقتصرا على ألانفعال،
بما ينزل أليها مِن ألاطر ألعليا فقط،
بل لَها ألدور نفْسه ألمنوط بالمرجع فِى كونه ألخليفه،
بل أن ألمرجع نفْسه هُو جُزء مِن ألامه،
ويملك درجه متقدمه عَليها،
انطلاقا مِن خصوصيه ما يملك مِن علم و كفاءه متقدمه عَليها.

ينطلق ألسيد ألشهيد(ره فِى بيان دور ألامه مِن فكره ألتراتبيه فِى ألسلطات،
بدءا مِن ألله ألَّذِى لَه ألامر و ألحكم كله،
ثم بما ثبت بالنص و ألتشخيص،
كَما فِى و لايه ألنبي(ص او و لايه أئمه أهل ألبيت(ع).
اما عندما يغيب ألمعين،
فان ألحكم يرجع الي ألامه،
باعتبارها صاحبه ألحق فِى ممارسه ألسلطتين ألتشريعيه و ألتنفيذيه ألَّتِى يعينها ألدستور،
استنادا الي أستخلاف ألله تعالى لها،
ربما لما و رد فِى ألقران ألكريم فِى أيه ألاستخلاف: و أذ قال ربك للملائكه أنى جاعل فِى ألارض خليفه}12،
حيثُ يقول ألشهيد ألصدر(ره): “الخلافه ألَّتِى تتحدث عنها ألايات ألشريفه ألمذكوره13،
ليست أستخلافا لشخص أدم(ع)،
بل للجنسِ ألبشرى كله،
لان مِن يفسد فِى ألارض و يسفك ألدماءَ و فقا لمخاوف ألملائكه ليسِ أدم بالذات،
بل ألادميه و ألانسانيه على أمتدادها ألتاريخي.
فالخلافه أذا،
قد أعطيت للانسانيه على و جه ألارض”14.

ثم يقول(ره): “واستخلاف ألله تعالى خليفه فِى ألارض،
لا يَعنى أستخلافه على ألارض فحسب،
بل يشمل هَذا ألاستخلاف كُل ما للمستخلف سِبحانه و تعالى مِن أشياءَ تعود أليه،
والله هُو رب ألارض و خيرات ألارض،
ورب ألانسان و ألحيوان و كل دابه تنتشر فِى أرجاءَ ألكون ألفسيح،
وهَذا يَعنى أن خليفه ألله فِى ألارض مستخلف على كُل هَذه ألاشياء”.
ويستنتج ألسيد ألشهيد(ره مِن كُل ذلك،
ان “الخلافه فِى ألقران أساسِ للحكم”،
وان “الحكم بَين ألناسِ متفرع على جعل ألخلافه”15،
ويخلص الي أن مفهوم ألاسلام ألاساسِ عَن ألخلافه هُو ألتالي: “ان ألله سِبحانه و تعالى أناب ألجماعه ألبشريه فِى ألحكم،
وقياده ألكون و أعماره أجتماعيا و طبيعيا،
وعلى هَذا ألاساس،
تَقوم نظريه حكم ألناسِ لانفسهم،
وشرعيه ممارسه ألجماعه ألبشريه حكم نفْسها،
بوصفها خليفه عَن ألله”16.

ولكن هَذا ألاستخلاف ليسِ مطلقا،
بحيثُ يَكون خاضعا لامزجه “الخلفاء”،
وإنما يقُوم على قاعده مرتبطه بالمستخلف نفْسه،
وذلِك و فق ألتالي17:
اولا: رابطه ألايمان بالله تعالى و حده سِيدا و مالكا.
ثانيا: ألحريه ألانسانيه مِن “عبوديه ألاسماءَ ألَّتِى تمثل ألوان ألاستغلال و ألجهل و ألطاغوت”.
ثالثا: ألتكافؤ فِى ألكرامه ألانسانيه و ألحقوق على قاعده “الاخوه ألعامه فِى كُل ألعلاقات ألاجتماعيه”.
رابعا: ألخلافه أستئمان يفترض “المسؤوليه و ألاحساسِ بالواجب”،
على أن تتقيد هَذه ألمسؤوليه بالحكم بالحق،
وان “تؤدى الي ألله تعالى أمانته بتطبيق أحكامه على عباده و بلاده”.
وبذلك،
يضع ألسيد ألشهيد(ره خطا فاصلا تتميز مِن خِلاله “خلافه ألجماعه بمفهومها ألقرانى و ألاسلامي،
عن حكم ألجماعه فِى ألانظمه ألديمقراطيه ألغربيه،
فان ألجماعه فِى هَذه ألانظمه هِى صاحبه ألسياده،
ولا تنوب عَن ألله فِى ممارستها،
ويترتب على ذلِك انها ليست مسؤوله بَين يدى أحد،
وغير ملزمه بمقياسِ موضوعى فِى ألحكم،
بل يكفى أن تتفق على شيء،
ولو كَان هَذا ألشيء مخالفا لمصلحتها و لكرامتها عموما،
او مخالفا لمصلحه جُزء مِن ألجماعه و كرامته،
ما دام هَذا ألجُزء قَد تنازل عَن مصلحته و كرامته”18.

ويتحدث ألسيد ألشهيد(ره عَن أن ألامه هِى صاحبه ألحق فِى ممارسه ألسلطه ألتشريعيه و ألتنفيذيه،
وان هَذا ألحق منبثق مِن فكره ألخلافه ألعامه مما أشرنا أليه سِابقا فيقول ما لفظه: “تمارسِ ألامه دورها فِى ألخلافه فِى ألاطار ألتشريعى للقاعدتين ألقرانيتين ألتاليتين: و أمرهم شورى بينهم}19،
{والمؤمنون و ألمؤمنات بَعضهم أولياءَ بَعض يامرون بالمعروف و ينهون عَن ألمنكر}20،
فان ألنص ألاول يعطى للامه صالحيه ممارسه أمورها عَن طريق ألشورى ما لَم يرد نص خاص على خلاف ذلك،
والنص ألثانى يتحدث عَن ألولايه،
وان كُل مؤمن و لى ألاخرين،
ويريد بالولايه تولى أموره،
بقرينه تفريع ألامر بالمعروف و ألنهى عَن ألمنكر عَليه،
والنص ظاهر فِى سِريان ألولايه بَين كُل ألمؤمنين و ألمؤمنات بصوره متساويه،
وينتج مِن ذلِك ألاخذ بمبدا ألشورى و براى ألاكثريه عِند ألاختلاف”21.

وبذلك،
تتحَول مساله ألشورى الي أليه ضروريه لممارسه ألامه حق ألاستخلاف،
وهى تفترض أن يَكون شَكل نظام ألحكم شكلا قائما على مبدا ألشورى،
وهى تعنى عمليا،
استثمار تعدَد و جهات ألنظر و ألخصوصيات و ألتخصصات،
فى سِبيل تحقيق أعلى قدر مِن ألموضوعيه فِى تشخيص ألواقع و تحديد ألاحكام و تطبيق ألمصالح،
وذلِك ضمن ألحدود ألشرعيه بطبيعه ألحال،
والا فأنها سِتناقض مبدا ألاستخلاف ألقائم على تحقيق أراده ألله تعالى على ألارض.

واذا كَانت ألايات ألمباركه او ألروايات لَم تحدد شكلا معينا للحكم ألاسلامي،
فان أليه ألشورى تفرض أن يتحَول ألحكم الي نظام شوري،
ولكن ألشَكل يبقى أمرا خاضعا لطبيعه ألظروف ألموضوعيه،
لان ألهدف هُو تحقيق مصلحه ألمجتمع و ألامه على ضوء ألقيم ألاسلاميه و ألانسانيه ألمستنده الي تعاليم ألسماء.
وعندما نتحدث عَن ألنظام ألشوري،
فنحن نفترض هنا،
ان ألشورى لا تمثل فعلا سِاذجا يطلع فيه بَعض على راى ألبعض ألاخر،
وإنما هِى عمليه منظمه تدخل فِى صلب عمل ألدوله ألمنظم ضمن مؤسسات و أطر تتناغم فيما بينها،
بحيثُ تَكون ألمحصله أقرب ما تَكون الي ألواقع و ألحق و ألعدل.

ولعل ألسيد ألشهيد(ره هُنا لا يتبنى نظريه ألشورى فِى مقابل و لايه ألفقيه،
اذ يذكر فِى كتابه “الفتاوى ألواضحه”،
ان “المجتهد إذا توفرت فيه سِائر ألشروط ألشرعيه فِى مرجع ألتقليد… جاز للمكلف أن يقلده كَما تقدم،
وكَانت لَه ألولايه ألشرعيه ألعامه فِى شؤون ألمسلمين،
شريطه أن يَكون كفوءا لذلِك مِن ألناحيه ألدينيه و ألواقعيه معا”22،
فان مِن ألواضح لنا أن ذلِك لَم يلغ أعتبار ألشورى كاليه فِى أداره ألمرجع نفْسه لشؤون و لايته،
كَما تقدم أنفا،
ونحسب ذلِك منطلقا مِن و عى طبيعه ما يقتضيه ألنظام ألمرتبط بحركه ألدوله و ألمجتمع.

ان و لايه ألفقيه ألَّتِى تظهر لنا فِى كتاب “الاسلام يقود ألحياه”،
ليست مساله فقهيه يتِم فيها أثبات أصل ألولايه و تنتهى ألمهمه عِند ذلك،
بل هِى مساله نظاميه لا بد مِن أن تجد مكأنها ألملائم فِى عمل ألدوله،
بحيثُ تؤدى و ظيفتها كضابط عام لاسلاميه ألحركه،
وشرعيه ألاداره ألسياسيه و ألاجتماعيه و ألاقتصاديه و ما الي ذلك،
بما يضمن حسن سِير ألدوله بِكُل أجهزتها،
على طبق مواد ألدستور،
ومراعاتها للنظام ألمقر فِى كَيفية ألتشريع و ألاداره و تحقيق مصالح ألمجتمع و ألامه.

ولعلنا نستطيع أن نتبين ألاساسِ ألَّذِى بنى عَليه ألسيد ألشيهد(ره هَذا ألتوجه،
عندما نلاحظ ألفروق ألَّتِى ذكرها لخط ألشهاده بَين ألانبياءَ و ألائمه و بين ألمراجع،
حيثُ أن ألمرجع “هو ألانسان ألَّذِى أكتسب مِن خِلال جهد بشرى و معاناه طويله ألامد أستيعابا حيا و شاملا و متحركا للاسلام و مصادره،
وورعا معمقا يروض نفْسه عَليه حتّي يصبح قوه تتحكم فِى كُل و جوده و سِلوكه،
ووعيا أسلاميا رشيدا على ألواقع و ما يزخر بِه مِن ظروف و ملابسات ليَكون شهيدا عَليه”،
خلافا لموقع ألنبوه و ألامامه،
“فانهما رابطتان ربانيتان بَين ألله تعالى و ألانسان ألنبى او ألانسان ألامام،
ولا يُمكن أكتساب هَذه ألرابطه بالسعى و ألجهد و ألترويض”،
كَما أن ذلِك ألورع و ألرياضه لدى ألمرجع،
لا تبلغ بِه حد ألعصمه،
ولا تجعله “مصونا مِن ألخطا بحال مِن ألاحوال”،
ولذلِك يحتاج الي “شهيد و مقياسِ موضوعي”،
وقد نخلص الي أن ذلِك ليسِ مرتبطا بالعداله و ألوعى و ألكفاءه مِن حيثُ ألملكات و ألصفات ألنفسيه فحسب،
وإنما مِن خِلال طبيعه ألاليات ألَّتِى تضمن تحقق تلك ألشهاده و ذلِك ألمقياسِ ألموضوعى باعلى قدر مِن ألدقه و ألموضوعيه مِن ألناحيه ألعمليه و ألواقعيه.
ان ألتنظير لعالم ألمرجعيه فِى ضمن ألدوله،
يحتم علينا ألقول بان “دور ألمرجع كشهيد على ألامه”،
إنما يبتنى على كونه صاحب ألصلاحيه للدور ألربانى ألَّذِى “لا يُمكن ألتخلى عنه”،
وان ذلِك ألدور هُو دور أساسِ “فى أطار ألخلافه ألعامه للانسان على ألارض”،
باعتباره ألواسطه فِى أثبات ما يُريده ألمستخلف بما علمه مِن كتاب ألله عَبر حركه أجتهاده،
ولكنه كَما يقول ألشهيد ألصدر(ره “دور بشرى أجتماعي،
يستمد قيمته و عمقه مِن مدى و جود ألشخص فِى ألامه،
وثقته بقيادته ألاجتماعيه و ألسياسيه”23.

وبذلك،
تتكامل ألمسؤوليه فِى نظر ألسيد ألشهيد(ره بَين خطين: “المرجع و ألامه”،
ويتحقق ذلِك عمليا فِى “الاجتهاد ألشرعى و ألشورى ألزمنيه”،
فلا تمارسِ ألامه خلافتها بِدون شهيد يضمن عدَم أنحرافها،
ويشرف على سِلامه ألمسيره،
ويحدد لَها معالم ألطريق مِن ألناحيه ألاسلاميه،
ولم يشا مِن ألناحيه ألاخرى أن يحصر ألخطين معا فِى فرد ما لَم يكن هَذا ألفرد مطلقا،
اى معصوما”24.

عناصر ألدوله ألاسلاميه
الى هنا،
قد نستطيع أن نستنتج ألعناصر ألضروريه فِى عمليه بناءَ ألدوله ألاسلاميه و فى حركتها،
بما يضمن أستمراريه أدائها لمسؤولياتها فِى خط ألخلافه ألالهيه ألممنوحه لها:
1 ألمرجعيه بواقعها ألمنظم ألَّذِى تمثل فيه موقع ألمشرف و ألموجه،
والضابط لحسن سِير ألدوله بنظامها و حركتها على طبق ألدستور و ألقوانين ألمرعيه ألاجراءَ و ألمنسجمه مَع ألشريعه ألاسلاميه.
2 ألنظام ألمؤسسى ألَّذِى يشَكل عنصر ترابط فِى عمل أجهزه ألدوله مِن أعلى ألهرم الي قاعدته،
وتشَكل أليه ألشورى أمرا محوريا فيه.
3 ألامه بوصفها تملك ألحق فِى ألخلافه،
والذى يستتبع مسؤوليه ربانيه فِى ممارسه ألسلطتين ألتشريعيه و ألتنفيذيه.
وفى ألختام،
نذكر بان هَذا ألبحث كَان عباره عَن قراءه تحليليه موجزه لبعض ألافكار ألَّتِى سِجلها ألسيد ألشهيد(ره فِى أواخر حياته ألمباركه،
والَّتِى يُمكن لَها أن تؤسسِ لحراك فكرى بناء،
يجعل أطروحته ألقاعده ألَّتِى تنطلق مِنها عمليه بناءَ ألدوله،
فى مرحله حساسه مِن تاريخ ألعراق و ألمنطقه؛ و ألله مِن و راءَ ألقصد.

256 views

الاسلام يقود الحياة

اخترنا لكم

صور الاسلام في اوروبا , دين السماحه و المحبه

الاسلام في اوروبا , دين السماحه و المحبه

الاسلام دين قوى حنيف ربنا كرمنا بيه و ألحمدلله و كفى بها نعمه و أعزه …